Anasayfa Arapça انهيارُ الأُمَّةِ وأسبابُ الانهيار – الجزء الأول | Sayı 93

انهيارُ الأُمَّةِ وأسبابُ الانهيار – الجزء الأول | Sayı 93

90 dakika ortalama okuma süresi
0
0

الحمدُ للهِ خَالقِنا لنكونَ خلفاءَ في الأرضِ، مرشدِنا إلى طريقِ الهدايةِ، منقذِنا من براثنِ العِرقيةِ، الجاعلِ منّا أمةً، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا الذي تحمَّلَ المِحنَ ليلاً نهاراً ليجعلَ مِنّا أُمَّةً متماسكةً، والسلامُ على جميعِ إخوتي الذين يعملون بإخلاصٍ على إحياءِ الأُمَّةِ من جديدٍ.

إنَّ المجتمعَ المُكَلَّفَ ببناءِ حضارةٍ تناسبُ الإنسانَ، وتأسيسِ العدالةِ وترسيخِها، والمُكلَّفَ بمنعِ الظلمِ والمُحرَّماتِ، هو المجتمعُ المسؤولُ الذي يُدعى ( الأُمَّة )، و بناءً على ذلك لنا أنْ نتساءلَ: كيفَ وصلتْ أمتُنا إلى هذهِ الحالِ التي وصلتْ إليها؟ الأُمَّةُ التي كانت وظيفتُها منعَ الظلمِ كيفَ أصبحَ الظلمُ يَعُمُّ كلَّ جوانبِها، وصارتْ دماؤهم مُراقةً في كلِّ مكانٍ! مَن كانتْ وظيفتُهم منعَ المحرماتِ كيفَ أصبحوا يعملون المحرماتِ أو يشاهدونها دونَ أنْ يُحرِّكوا ساكناً؟! وفْقَ أيِّ قوانين انهارتْ أمتُنا وتراجعتْ؟ أيُّ القوانين التي طُبقتْ على الأممِ السابقةِ قبْلَنا طُبِّقتْ علينا؟.

كتابُ اللهِ يتحدَّثُ عن الإنسانِ والمجتمعِ، بتركيبةِ الإنسانِ النفسيةِ، ويُعلِّمُ الإنسانَ كيفَ يرتقي إلى أنْ يكونَ أفضلَ من الملائكةِ، ويُعلِّمُه كيفَ يُزكِّي نفسَه، ويُبيِّنُ مدى طغيانِ الإنسانِ عندما لا يلتزمُ بذلكَ، وكيفَ سينحدرُ إلى درجةٍ أدنى من درجةِ الحيوانِ، يتحدَّثُ عن المجتمعاتِ، ويُعرِّفُنا بالتركيبةِ النفسيَّةِ للمجموعةِ، ويُبيِّنُ أسبابَ انحرافِ المجتمعاتِ وانهيارِها، ويتحدَّثُ عن الشروطِ التي إذا تحقّقتْ تُحقِّقُ المجتمعاتُ قفزةً وتعلو، ويتحدَّثُ عن الأسبابِ التي إذا تحقَّقتْ تُنْزِلُ بالمجتمعاتِ العذابَ وتُهلِكُها.

تَرِدُ في القرآنِ قِصَصُ الأنبياءِ السابقينَ لتظهرَ قوانينَ اللهِ المتعلقةَ بالمجتمعاتِ، وتُبيِّنَ سُنَنَهُ، وبهذا تُكتشَفُ سنةُ اللهِ، ونأخذُ الحِيطةَ بناءً عليها، ولهذا نستطيعُ القولَ أنَّه بدون فهمِ القرآنِ لا يمكنُ أن يكونَ هناكَ عِلمُ نفسٍ، أو علمُ اجتماعٍ، إنَّ أولئكَ الذين يعملون مع الإنسانِ والمجتمعاتِ لا يُمكنُهم الوصول إلى معلوماتٍ صحيحةٍ مطلقةٍ خاليةٍ من الأخطاءِ فيما يتعلَّقُ بالإنسانِ والمجتمعِ، ما لم تكنْ تلكَ المعلوماتُ من اللهِ خالقِ الإنسانِ. وكذلكَ ما له علاقةٌ بالمجتمعاتِ، فالذين لم يتعلَّموا من سُننِ اللهِ كيفَ ستكونُ معلوماتُهم صحيحةً؟ وكيفَ لهم أن يثِقُوا بعلمِ النَّفسِ أو علمِ الاجتماعِ ما لم تكنْ أُسُسُ تلكَ العلومِ مأخوذةً من القرآنِ، ومُعتمدَةً عليه؟.
كما وضعَ اللهُ تعالى للمادةِ ( قانونَ الجاذبيةِ ) ومجموعةً من القوانينِ الفيزيائيةِ الأخرى، كذلك المجتمعاتُ وضعَ لها مجموعةً من قوانينِ علمِ الاجتماعِ وعلومِ الميتافيزيقية ( ما وراء الطبيعة )، وبناءً على هذهِ القوانينِ تُحكَمُ المجتمعاتُ وتَعلُو، أو تنهارُ وتزولُ، هذه القوانين إلهيةٌ، وهذا يعني أنَّ المجتمعَ الذي يريدُ أن يخرجَ من الحالِ الذي هو فيه، وهو لا يفهمُ سُنَّةَ اللهِ في المجتمعاتِ، هو تماماً كمَن يريدُ أن يَصعدَ إلى الفضاءِ وهو لا يعرفُ شيئاً عن قوانينِ الجاذبيةِ.

يقولُ اللهُ تعالى في سورةِ الأعرافِ: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ )(1) وهذا يعني أنه كما أنَّ اللهَ خالقٌ واحدٌ، فإنه هو وحدَه واضعُ قوانينِ الكائناتِ، وقوانينِ المادةِ، قوانينِ كلِّ ما هو من الأحياءِ وغيرِ الأحياءِ، كلُّ المخلوقاتِ وكلُّ المجتمعاتِ تخضعُ لمَا سنَّهُ اللهُ من قوانينٍ، كلُّهم مجبرون على الرُضوخِ لها، هذه السُننُ والقوانينُ لا يمكن تغييرُها، يقول اللهُ تعالى في كتابِه الكريمِ: ( اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً )(2)، ولهذا فإنهم إن لم يكونوا يرغبون في الانهيارِ فعليهم أن يعيشوا وفقَ هذهِ القوانينِ الميتافيزيقية ( الماورائية )، فبناءً على هذهِ القوانينِ ترتفعُ المجتمعاتُ، أو تَحِلُّ بها العقوباتُ، فوجودُ هذهِ القوانينِ رحمةٌ من اللهِ، وهو خيرٌ لهذهِ المجتمعاتِ، لو لم تكنْ تلكَ القوانينُ موجودةً، ولو لم يُعرِّفْنا القرآنُ بها، ولو أنّ العذابَ نزلَ دونَ وجودِ قانونٍ من أين كُنَّا سنعرفُ بأيِّ سببٍ سيَحلُّ بنا العذابُ، وكيفَ تنهارُ الأُمَمُ، لكنْ بوجودِ هذهِ القوانينِ يُصبحُ من الممكنِ معرفةُ ذلكَ، وبناءً على هذهِ القوانينِ يكونُ العملُ، وتُؤخذُ الحِيطةُ من أنْ تنهارَ المجتمعاتُ، أو أنْ يَنزلَ بها العذابُ.

المزارعُ بعلمٍ أو بغيرِ علمٍ، بإرادةٍ أو بغيرِ إرادةٍ، يخضعُ لقوانينِ التربةِ والماءِ والهواءِ والفصولِ والبذورِ، ويُطيعُها، وكذلكَ يفعلُ مُربُّو الحيواناتِ، وهذا في الأصلِ ينطبقُ على كلِّ العاملينَ مع الطبيعةِ من جميعِ المِهنِ وجميعِ أصنافِ البشرِ، فكلُّهم ينطبقُ عليهم ذلكَ، الذين لا يعرفون شيئاً عن قوانينِ الطبيعةِ، أو الذين يعرفونَها ولا يخضعون لها، ستذهبُ جهودُهم سُدى، والأمرُ ذاتُه ينطبقُ على الذين يكافحون لإنقاذِ الأُمةِ، عليهم أن يعرفوا أنَّه بدونِ العلمِ بسُننِ اللهِ المتعلقةِ بالإنسانِ والمجتمعِ، فإنَّ الخُطواتِ التي سيتخذونَها ستضيعُ هباءً، معرفةُ ما علينا فِعلُه مرتبطٌ بمعرفتِنا بسُننِ اللهِ، أمَّا الذين لا يعرفونَ هذهِ القوانينَ الإلهيةَ، فلتكنْ نواياهُم حسنةً بقدرِ ما يريدون، فالنوايا الحسنةُ وحدَها لا تكفي لتحقيقِ النجاحِ، أولئك الذين لا يعرفونَ قوانينَ تغييرِ المجتمعاتِ سيكونون أُلعوبةً في أيْدي مَن يعرفونَ تلكَ القوانينَ، وكما قال محمدُ إقبال: لو أنّ الأُمّةَ كانتْ صاحبةَ قرآنٍ، ثم كانت دونَ إرادةٍ، دونَ ذوقٍ، دونَ غِيرةٍ، عَجباً ثم عجباً ثم عجباً لهم.

وأنا أقول ما يشبه ذلك: لو أنَّ أُمَّةً حملتْ القرآنَ، ولم تعرفْ وصفةَ الانقاذِ وقوانينَها، ووقعتْ على طريقِ الحَلِّ الخاطيءِ، عجباً ثم عجباً ثم عجباً لها، وويلاً لها.

هذهِ الحضارةُ الحاليةُ أضرَّتْ بالإنسانِ، قتلتْ ذوي القيمةِ، وظلمتْهم، واستغلتْهم، وأزالتْهم، هذهِ الحضارةُ انحدرتْ بالإنسانيةِ، في كلِّ يومٍ تكبرُ المشاكلُ أكثر، والحالةُ حرِجةٌ، أضفْ إلى ذلكَ أنه لكي نتمكَّنَ من إنقاذِ أنفسِنا، وإنقاذِ الناسِ من براثنِ الحضارةِ الغربيةِ، فنحنُ مجبرون على معرفةِ القوانينِ الإلهيةِ المتعلقةِ بانهيارِ المجتمعاتِ والقوانينِ المتعلقةِ بإعادةِ إحيائِها من جديدٍ، جميعُ سُننِ اللهِ المفروضةِ على المجتمعاتِ يجبُ علينا معرفتُها.

كما أنه من الممكنِ للإنسانِ أن يموتَ وهو في مرحلةِ الشبابِ من مرضٍ أو حادثٍ أو هجومٍ، فكذلكَ الدولةُ يمكنُ لها أن تنهارَ وهي في أَوْجِ قوتِها، لأسبابٍ تشبهُ الأسبابَ السابقةَ، لكنْ بصفةٍ عامةٍ فالمجتمعاتُ كمريضِ السرطانِ تموتُ تدريجياً، وليس في حادثِ سيرٍ، وهي في كاملِ عافيتِها، في الأصلِ معظمُ الناسِ يموتون هكذا تدريجياً، أمَّا الذين يموتون لأسبابٍ خارجيةٍ، كحادثٍ أو هجومٍ، فهؤلاء قِلَّةٌ، أمّا الغالبيةُ فإنهم يموتونَ من المرضِ أو الشيخوخةِ، من الممكنِ ألا يمرضَ الإنسانُ، لكن هذا أمرٌ صعبٌ، أمّا ألا يشيخَ، فهذا أمرٌ غيرُ ممكنٍ، لكنّ المجتمعَ ليس كذلكَ، إنَّ أخذَ الاحتياطاتِ اللازمةِ، فمِن المُمكنِ ألا يمرضَ المجتمعُ وألا يشيخَ، وكما يقولُ ابنُ خلدون في حقِّ الدولِ: الدولُ لا تتعدَّى الثلاثَ مراحل: المؤسسون، ثم الاستمراريون، ثم المقلِّدون، ثم يأتي الهدَّامُون وتنهارُ الدولةُ(3). هذه الجملةُ سأترُك شرحَها لوقتٍ لاحقٍ، أمّا الآن فإنني أقولُ: هذا التحليلُ الذي قامَ به ابنُ خلدون للدولِ، حتى وإنْ كان صحيحاً على وجه العموم، ففيما يتعلَّقُ بالدولِ والمجتمعاتِ التي تعرفُ القوانينَ الإلهيةَ إذا ما قامَ الإراديون وأصحابُ العلمِ والفِراسةِ بأخذِ الاحتياطاتِ اللازمةِ، وتابعوا النواحي السياسيةَ، فإنّه من المُمكنِ لهم أنْ يُبقُوا المجتمعَ في مرحلتِه الأولى دائماً، وإن لم يستطيعوا أن ينجحوا في فعلِ ذلكَ في كلِّ وقتٍ، فسيستطيعون على الأقلِّ أن يُقفوه عندَ المرحلةِ الثانية، ويمنعون المجتمعَ من دخولِ المرحلةِ الثالثةِ، لأنّ الدخولَ في المرحلةِ الثالثةِ يجعلُ من مجيءِ الهدَّامينَ أصحابِ المرحلةِ الرابعةِ أمراً لا مَفرَّ منه، وهو تَقدُّمٌ لا يمكنُ إيقافُه، حتى إنْ وجِدَ قائدٌ أو عالمٌ أو حركةٌ ما، فلا يمكنُ لهم إيقافَ ذلكَ، لأنه إن وصلَ أيُّ مجتمعٍ إلى هذهِ المرحلةِ، فإنَّ ديناميكيتَه الداخليةَ تختفي، والحركاتُ والأفكارُ الإنقاذيةُ لا يمكنها وقتها فعل شيءٍ، لأن هكذا مجتمعاتٍ ليس فيها مفكِّرون حقيقيون، أو أنهم قلةٌ، وإن وجدَ فإنهم إمّا مفكّرون بالإسم أو مفكّرون تقليديون، وهذا تحليلٌ ينسحبُ على الدولةِ كما ينسحبُ أيضاً على الأُمَّةِ.

ربما تكونُ أهمّ وظيفةٍ للخليفةِ الذي يتزعّمُ الأُمَّةَ منعها من الدخولِ في المرحلةِ الثالثةِ، لأنّ سُنةَ اللهِ هذهِ لا يمكنُ أنْ تنطبقَ على جميعِ مجتمعاتِ العالمِ، ولأننا لا نعرفُ هذهِ القوانينَ الكونيةَ، فهذا لا يعني أنّ هذهِ السُننَ التي تجري على جميع المجتمعاتِ في العالمِ غيرُ موجودةٍ. ولهذا فإنه وبعد الدخولِ في المرحلةِ الثالثةِ يُصبحُ مجيءُ المرحلةِ الرابعةِ أمراً لا يمكنُ منعُه إلا بتدخلٍ خارجيٍّ، هذا التدخلُ الخارجيُّ يمكنُ أن يحدثَ بحكمةِ اللهِ وقدرتِه، كما حدثَ في الحربِ العالميةِ الأولى. لكنني لن أتوقّفَ الآن عندَ الهزيمةِ التي لحِقتْ بنا في تلك الحرب، وأسبابَها، والعبرَ المستخرجةِ منها، بل سأتركُها لوقتِ آخر، ما أريد أن أقولَه الآن: إنّ الذين وضعوا خُطةَ الحربِ العالميةِ الأولى هدفُوا إلى تقسيمِ الدولةِ العثمانيةِ، وأرادوا بذلكَ إنهاءَ الأُمةِ ومحوها، حتى إن كانوا خطّطوا لذلكَ، فإنّ للهِ خطةً أخرى، وقد بدؤوا بوضعِ الخطةِ قيدَ التنفيذِ، لقد مكّنهم اللهُ تعالى من الهجومِ على العثمانيين، وأَذِنَ بانهيارِ الدولةِ العثمانيةِ العالميةِ وموتِها بهذا الهجومِ، لكنه أنقذَ الأُمةَ من الموتِ، فلو أنّ العالمَ الغربيَّ لم يقمْ بهذا الهجومِ لماتتْ الأُمةُ، لكنّ هذا الهجومَ كان صَفعةً قويةً للأُمةِ، جعلَها تدخلُ في غيبوبةٍ، ومع أنها تهاوتْ إلا أنّها نجتْ من الموتِ، لأنّ أمتَنا كانتْ مَذهولةً بالتكنولوجيةِ الغربيةِ، وهنا بدأَ حُبُّ الحضارةِ الغربيةِ، وبدأَ تقليدُها، لم يأخذوا تكنولوجيةَ هؤلاءِ فقط، إنما أخذوا عاداتِهم وملابسَهم وثقافتَهم وفنونَهم والجوانبَ الأخلاقيةَ والإنسانيةَ المهمةَ بالنسبةِ لهم، قوانينَهم، بل وحتى نظامَهم السياسي وإيديولوجياتهم، يعني بدؤوا بأخذِ معتقداتِهم، حتى التطور المادي والتكنولوجي بدأَ يختلطُ بالحضارةِ، حتى وإنْ كان الغربُ متطوراً مادياً، فإنّ الشركَ والمنظومةَ الأخلاقيةَ التي في داخلِه تُشكِّلُ انهياراً كبيراً، لقد وصلنا إلى حالٍ لم نعدْ نرى معه مدى الانحدارِ الذي أخذوا العالمَ إليه، كما أنّ الغربيين نسوا أنهم أخذوا من المسلمين أُسُسَ التكنولوجية الغربية، أُسُسها الرياضيةِ والفيزيائيةِ والكيميائيةِ والطبيةِ وعلومِ الفضاءِ، ومثلها من العلومِ، أصلُها من عند المسلمين. وحيث أنّ الأُمةَ كانت تسيرُ بسرعةٍ نحو الموتِ، فإن القدرةَ الإلهيةَ تدخلتْ وصفعتْنا باليدِ الغربيةِ، فبالعلمِ والتكنولوجيةِ لن يظهرَ الفرقُ بينَ الحضاراتِ، ولم نكنْ نستطيعُ رؤيةَ وجوههم الحقيقيةِ ونتخلّصُ من التقليدِ، ولولا ذلك لما تمكّنا من أنْ نستعيدَ أنفُسَنا.

لو أنّ الغربَ تركنا على حالِنا، ولم يهاجمْنا، لربما لم تكنْ الدولةُ العثمانيةُ لتنهارَ، لكنها كانت ستخرجُ من مفهومِ الدولةِ، لن تنهدمَ، لكنها ستموتُ، كانت ستغيبُ الهويةُ الإسلاميةُ، لكنّ اللهَ لم يُعنْ على ذلكَ، لأن هذهِ الأمةَ هي أمةُ أعظمِ الأنبياءِ، وآخرِ الأممِ، ولن تأتِ بعدها أمةٌ أخرى، لأنه لن يأتيَ بعد ذلك نبيٌّ آخر، والأممُ تظهرُ عادةً بتكوينِ الأنبياءِ لها، والله تعالى يقول في الآية الكريمة: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )(4)، على الرغم من كلِّ ما فعلتهُ هذهِ الأمةُ من أخطاءٍ مميتةٍ، فتغييرُها تماماً وإفراغُها من الداخلِ يعني موتها، أو قتلُها، وهذا ما لم يُسمعْ به على الرغمِ من تحقّقِ أسبابِ ذلكَ، وذلك لأنها آخرُ أُمةٍ، وهم أصحابُ مهمةٍ إلى قيامِ الساعةِ، فإن ماتوا أو قُتلوا، فإن إحياءَهم اليوم من جديدٍ يصبحُ أمراً غيرَ ممكنٍ.
لم يقتلوها لأنهم لم يستطيعوا تدميرَ القرآنِ، وحتى وإن نجحوا في جعلنا نتركُ القرآنَ لفترةٍ من الزمنِ، فإنهم لم يستطيعوا إزالتَه تماماً، والأغصانُ جفّتْ وتكسّرتْ، وساقُ الشجرةِ تجرّحتْ، لكن جذورُ الشجرةِ بقيتْ سليمةً، القرآنُ أعطى البراعمَ.

في العدد القادمِ سأتوقّفُ عندَ أسبابِ سقوطنا. أستودعكم الله.

Daha Fazla
Yazardan Daha Fazla: Yönetici
Kategoriden Daha Fazla: Arapça

Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Göz atmak ister misiniz?

Haber-Yorum | Sayı 43

FURKAN VAKFI’NIN 20. YIL COŞKUSU MİMAR SİNAN’I İNLETTİ! Furkan Eğitim ve Hizmet Vakfı kuru…