Anasayfa Bölümler Sayılar 28 Şubat Devam Ediyor (Sayı 94) انهيارُ الأُمَّةِ وأسبابُ الانهيار – الجزء الثالث | Sayı 94

انهيارُ الأُمَّةِ وأسبابُ الانهيار – الجزء الثالث | Sayı 94

93 dakika ortalama okuma süresi
0
0

الحمدُ للهِ الذي عرَّفَ الإنسانَ طريقَهُ بواسطةِ القوانين التي وضعها لمخلوقاتِه، والصلاةُ والسلامُ على مَن جاهدَ ليلاً ونهاراً ليصنعَ منّا أمةً، وسلامٌ على جميع إخواني الذين يعملون بإخلاصٍ لكي نعودَ أمةً من جديد.

في العددِ السابقِ كنتُ قد وقفتُ عندَ مسألةِ اعتقادِ البعضِ منّا أن بعضَ الأمورِ المتعلّقةِ بسقوطِ أمتنا أو تراجعِها هي أسبابٌ، لكنها في حقيقةِ الأمرِ نتائجٌ وليست أسباباً . أمّا في هذا العددِ فسأتحدّثُ عن الأسبابِ الحقيقيةِ التي أوصلتْ الأمةَ إلى الحالِ الذي وصلتْ إليه الآن، وسأبدأُ الآن بها :

1- القرآنُ الكريمُ يوضّحُ أن الأممَ التي لا تقومُ بالمهماتِ الموكلةِ إليها ستتمزّقُ وستذهبُ لتأتيَ أممٌ أخرى وتحلَّ محلّها، يقول اللهُ تعالى في سورةِ المائدة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )(1) الآية الكريمة تبيّنُ سنّةً من سننِ اللهِ في الكونِ، أي أن اللهَ تعالى يشرحُ قانونَ إزالتِه لمجتمعٍ ما وإحلالِ مجتمعٍ آخر محلّه.

اللهُ عزّ وجلَّ هو واضعُ القوانين للإحياءِ والجماداتِ لجميع المخلوقاتِ والموجوداتِ، وضعَ للمجتمعاتِ مجموعةً من القوانين، وجعلَ سقوطَ المجتمعاتِ وإسقاطَها ، ورفعَها وارتفاعَها مرتبطاً بهذه القوانين، فالحكمُ على هذه المجتمعاتِ يأتي بناءً على هذه السُنن، إذا قرأتَ القرآنَ وفقَ هذهِ الرؤيةِ بنيّة فهمِ سُننِ اللهِ واكتشافِ هذه القوانين فستجدُ أن هذا الكتابَ المباركَ مليءٌ بآياتٍ كهذه، ولهذا فإنّ قصصَ الأقوامِ السابقةِ تكشفُ هذه القوانين، حيث تشرحُ لنا كيف نعيشُ على أساسِها، وكيف نأخذُ الاحتياطاتِ اللازمةَ حتى ننجوَ من السقوطِ، لكنّ أولئك الذين ينظرون للقرآنِ على أنه كتابُ إيمانٍ وعبادةٍ وأخلاقٍ فحسب لن يتمكّنون من فهمِ الآياتِ التي تتحدّث عن الأمم السابقةِ وقصصهم وتبيّنُ سننَ الله فيهم ، وسيقرؤون هذه القصصَ كما تُقرأُ الحكايات ، في حين أن خالقَ الكائناتِ وواضعَ القوانين يريدُ أن يبيّن لنا في هذه الآياتِ قوانينه، ويُفهمَنا سًننَه وعادتَه. كما أن هذه القوانينَ توفّرُ لنا المعرفةَ باللهِ فإنها تُمكّننا أيضاً من معرفةِ الوقتِ الذي يُكلّفُ فيه مجتمعٌ ما بمهمةٍ، والوقت الذي تُستردُ فيه هذه المهمةُ، ومتى يهلكُ، وفي أي المراحل سيتحققُ ذلك.

تمرُّ في الآيةِ كلمة ( ارتداد ) بمعنى الخروجِ من الدينِ، كما يُمكنُ أن تكونَ بمعنى أن يتركَ مجتمعٌ ما الإسلامَ ويصيرَ بحكم الكافرِ، كما يمكنُ أن تأتيَ الكلمةُ بمعنى البُعدِ عن الحياةِ الدينيةِ، أو تركِ النظامِ الإسلامي وتبنّي نظامٍ آخر، يمكنُ أن تأتيَ الكلمةُ بهذه المعاني، ومَن يرتكبُ شيئاً كهذا فإنّ اللهَ تعالى يُجازي هؤلاء بأن يستردَ منهم المهمةَ التي أعطاهم إياها، ويتشتّتون، ومِن ثمَّ يأتي من يستطيعُ القيامَ بهذه الوظيفةِ المشرفةِ ، ويُسلّمُهم اللهُ تعالى تلك المهمةَ، لأن الأمةَ الحقيقيةَ تُكلَّفُ بأداءِ الوظيفةِ بين المجتمعاتِ وتكونُ المسؤولةَ في كل العالمِ.

كما ذكرتُ سابقاً فإن كلمةَ ( أمة ) مشتقةٌ من نفسِ المصدرِ الذي اشتُقتْ منه كلمةُ إيمان، والذين يكونون أمةً يكونون أئمةً أيضاً على ظهرِ الأرضِ قادةً مسؤولين ملزمين بمنعِ جميعِ المعاصي والمظالمِ، كما أنهم ملزمون بإقامةِ الفرائضِ وإزالة المحرّماتِ والتأسيسِ للعدالةِ، لأن هدفَ الدينِ حمايةُ العقلِ والدينِ والمالِ والنفسِ والعِرضِ، ولذلك فإن المجتمعَ الذي يكونُ أمةً مُكلَّفٌ بتأمينِ الحميايةِ لكلِّ هذهِ الأمورِ. طالما أنهم يقومون بتلك الواجباتِ فإن الله تعالى يُعينهم ويُساعدُهم، ومتى ما تهرَّبوا من مسؤولياتهم وتقاعسوا عن أدائها، فإن اللهَ تعالى يُنذرُهم أولاً عبر الابتلاءات الصغيرةِ ويُقظُهم بها، وما لم يفهموا فسيُحذِّهم بمصائب أكبر، وفي النهايةِ ستتمزُّ تلك الأمةُ. التحذيرُ الآتي عبر المحنِ الصغيرةِ التي تسبقُ العذابَ الكبيرَ وردَ في سورة السجدة ، حيث يقولُ اللهُ تعالى: ( وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )(2) الآيةُ لم تأتِ لقومٍ بعينهم فقط ، وإنما أتتْ باعتبارها سُنّةً من سًننِ اللهِ التي تسري على جميعِ الأُممِ قال تعالى: ( اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ  وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ  فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )(3).

قبل أن تتلقّى هذه الأمةُ تلك الصفعةَ الكبيرةَ في الحربِ العالميةِ الأولى، وقبل أن تتمزَّقَ وتتقسّمَ، حُذِّرتْ أولاً بابتلاءاتٍ صغيرةٍ، إذ بدأتْ تُهزمُ في بعضِ الحروبِ، قُسّمتْ من الداخلِ، وبرزتْ فيها الفتن، وأظهرتْ علاماتِ التراجعِ، لم يتمَّ الاستفادُ من الدروسِ السابقةِ، ولم تُؤخذْ الاحتياطاتُ اللازمةُ، وبدأتء الأمةُ بالتراجعِ، وبدأَ بنيانُها بالتصدّعِ والانهيارِ، الحربُ العالميةُ الأولى لم تكن سوى الضربةِ القاضيةِ اللازمةِ لهدمِ ذلك البناءِ الذي كان على وشك الانهيارِ أصلاً .

الأمةُ بعد سقوطِها تتقسّمُ، اللهُ تعالى أعلمَنا بسُنّتِه هذهِ في كتابِه العزيزِ، يقولُ تعالى في سورةِ الأعرافِ (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا  مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ .. )(4) هذا هو جزاؤهم الإلهي بعدمِ قيامهم بالمهمةِ الموكلةِ إليهم.

بعد التقسيمِ تدخلُ كلُّ قطعةٍ ( كلُّ دولة ) في ابتلاءاتٍ متنوعةٍ، لتدفعَ كفارةَ سنواتٍ من الذنوبِ والكسلِ، فتُستغلُ وتُظلمُ، وقد أفادتْ سورةُ الأعرافِ في تكملةِ الآيةِ بأنّ الأممَ التي لا تقومُ بوظيفتِها تتجزّأُ وتتفرّقُ ( .. وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(5). من سُننِ اللهِ تعالى إدخالُهم في هكذا امتحاناتٍ، ليرجعوا عن أخطائهم، هذا الأمرُ وإن كان في جانبٍ له رادعاً إلا أنه من جانبٍ آخر رحمةٌ من اللهِ، لأنهم بدون ذلك لن يستطيعوا فهمَ بقيةِ أنواعِ الأخطاءِ التي يمكنُ أن تقعَ، وستبقى كلُّ ذنوبِهم عليهم إلى يومِ القيامةِ . أمّا بالابتلاءات فإنهم سيدفعون الكفارةَ في هذه الدنيا، حتى لا يبقى عليهم شيءٌ من الذنوبِ. الذين يدفعون الكفارةَ من ذلك الجيلِ والأجيالِ التي تأتي لاحقاً في كلِّ دولةٍ من تلك الدولِ سيفهمون معنى ( الأُمّة ) ويعرفون المهماتِ المناطةَ بهم، وهذا أيضاً من سُننِ اللهِ تعالى، وكلُّ ما هو في إطارِ سُننِ اللهِ فلا بدَّ أن يتحققَ، يقول اللهُ تعالى في سورةِ المؤمنون (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ  فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ )(6) معنى ذلك أن تلك الأمةَ التي لم تقمْ بوظيفتِها فاستُردتْ منها وقُسِّمَ ذلك المجتمعُ، ففي كلِّ جزءٍ من تلك الأجزاءِ تُخلقُ أجيالٌ جديدةٌ تستطيعُ حملَ تلك الرايةِ من جديدٍ.

بعد سقوطِ الدولةِ العثمانيةِ وتفتتِ الأمةِ، وبعد أن تقسّمتْ إلى عدةِ دولٍ قوميةٍ نشأتْ في كلِّ دولةٍ أجيالٌ جديدةٌ، وظهرتْ اليوم في جميع تلك الأجزاءِ حركاتٌ إسلاميةٌ جديدةٌ أيضاً، هذه الأجيالُ والجماعاتُ أُدخلتْ في امتحاناتٍ صعبةٍ ومتعددةٍ، وعلى الرغم من أنها ليست كما ينبغي أن تكونَ إلا أنها قطعتْ مسافةً لا بأسَ بها، هذا الجيلُ الناشيءُ الذي خاضَ ابتلاءاتٍ متنوعة، تربّى أُنضجَ تعلّمَ فنَّ المناقشةِ والتضحيةِ، ابتعدَ تماماً عن الباطلِ ، وبدأَ يرجعُ إلى الحقِّ، أوصلوا الأمةَ إلى الحالةِ التي يُمكنها فيه حمل الرايةِ، رايةِ التوحيدِ المشرفةِ، بعد ذلك ستُسلّمُ الرايةُ لهم. أعتقدُ أن الذين لا يقومون بوظيفتِهم ممّن كانوا قبلنا أُخذتْ منهم الرايةُ وأُعطيتْ للجيلِ الجديدِ، وسنّةُ اللهِ التي كانت ماضيةً على الذين سبقوا، أعتقدُ أنها ستسري على هؤلاءِ أيضاً.

لماذا لا تقومُ أمةٌ ما بوظيفتِها ؟ وأيُّ وظيفةٍ على وجه التحديدِ يتم إهمالُها ؟

الإنسانُ بصفةٍ عامةٍ يميلُ إلى التكاسلِ عن العملِ، فالعملُ صعبٌ على النفسِ البشريةِ بخلافِ الكسلِ الذي عادةً ما يكونُ سهلاً، وهذا هو امتحانُ الإنسانِ، لكن عليه أن يُجاهدَ نفسَه، وان يُربّيَها، وأن يُحببَها في العملِ، إذا فعلَ ذلك فإن عملَه سيكونُ جميلاً، وسيرى حينها أن الكسلَ أمرٌ قبيحٌ، هذا بالإضافةِ إلى أن العملَ آخرُه رضى اللهِ عزّ وجلَّ وكسبُ معونتِه للنجاحِ في الدنيا والآخرةِ، في الدنيا الغنى والوصولُ إلى القوةِ ومنعُ الظلمِ وإعطاءُ الحقوقِ والتأسيسُ للعدالةِ. أمّا الكسلُ فآخرُه الوقوعُ في عذابِ اللهِ عزّ وجلَّ في الآخرةِ، واستردادُ الوظيفةِ والتشريفِ منه مرةً أخرى، أمّا في الدنيا فسيرى الفقرَ والمذلّةَ والسحقّ والاستغلالَ.

لأن الإنسانَ يتكاسلُ أحياناً: كأن لا يقومَ بالمهمةِ الملقاةِ على عاتقِه أحياناً، ويغرقَ في نعيم الدنيا أحياناً أخرى – لأن الدنيا صارتْ معبوداً – فإنه سيُهملُ وظيفتَه التي كُلِّفَ بأدائها. الذين ينسون الغايةَ من إرسالِهم إلى الدنيا وينسون وظيفتَهم أو ينسونها، والذين يركنون غلى نعيمِ الدنيا كلّياً، الذين يركنون هكذا يتلقّون صفعةً بعكسِ مقصدِهم، وكما أنّ عُبّادَ الدنِيا يُحرمون الآخرة، فإنهم لا يُعطون الدنيا أيضاً. أمّا الذين يميلون للآخرة، فكما يُعطون الآخرة فإنهم يُعطون الدنيا أيضاً. حِرمانُ أولئك الميّالين للدنيا من الدنيا بالإضافةِ إلى حِرمانِهم من الآخرةِ هو سًنّةٌ من سًننِ اللهِ في خلْقِه. لأن اللهَ تعالى يريدُ إيقاظَ عبادِه المسلمين الذين غَرقوا في الدنيا، ويريدُ ردَّ عقولِهم إلى رؤوسِهم، إعطاءُ أولئك الغارقين في الدنيا هكذا فشل وإن كان عقاباً من جهةٍ لكنّه من جهةٍ أُخرى من لُطفِ الله ورحمته، لأن فيه تحذيراً لهم.

في هذا الموضوعِ يقولُ اللهُ تعالى في سورةِ البقرةِ ( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )(7) الآيةُ الكريمةُ تقولُ: إن الذي لا يجاهدُ بالمالِ في سبيلِ اللهِ، ولا يُنفقُ في سبيلِ الله يبخلُ ويعبدُ الدنيا، والذي لا يجاهدُ بنفسِه في سبيلِ اللهِ خوفاً وتكاسلاً، هؤلاء يُلقون بأنفسِهم إلى التهلًكةِ بأيديهم. عندما ذكرَ اللهُ ذلك في الآيةِ الكريمةِ أرادَ في الأصلِ أن يبيّنَ سُنّةً من سُننِه. تركُ الجهادِ بالمالِ والنفسِ لا يعني أن المسلمين يُلقون بآخرتهم فقط ولكن بدنياهم أيضاً إلى التهلُكلةِ، تضييعُهم لقوتِهم وشرفِهم يكونُ سبباً في أخذِ ما أُعطي لهم من وظيفةٍ وتشريفٍ. أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه عندما كان يشرحُ سببَ نزولِ الآيةِ قال: ( يا أيها الناسُ إنّكم تتأوّلون هذه الآيةَ هذا التأويلَ، وإنما نزلتْ الآيةُ فينا معاشر الأنصار، لمّا أعزَّ اللهُ الإسلامَ وظهرَ، وكثُرَ ناصروه ، قال بعضُنا لبعضٍ: قد وضعغتْ الحربُ أوزارَها، وإنّ أموالَنا قد ضاعتْ، وإن اللهَ قد أعزّ الإسلامَ وظهرَ وكثُرَ ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاعَ منها، فأنزلَ اللهُ على نبيِّه يردُّ علينا ما قلنا: « وأنفقوا في سبيلِ اللهِ ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة .. « ) . أي أنه أفادَ بأنه عندما يُتركُ الجهادُ وتُعطى الأولويةُ لكسبِ المالِ والممتلكاتِ وتُتركُ الوظيفةُ أو يُعتقدُ أن الوظيفةَ قد انتهتْ، فإن الأمةَ تكونُ بذلك قد أوقعتْ نفسَها بالتهلكةِ بأيديها. ألم يحدثْ ذلك؟. عندما تتركُ الأمةُ مهمتَها، وتركنُ إلى الدنيا تدخلُ في ( عصرِ الزمبق – عصر الترف) ، عندما مالتْ الأمةُ إلى الراحةِ والرفاهيةِ، وعندما ضاعتْ كلُّ قوتِها ألم تبدأْ بعد بتذوّق طعمِ الهزيمةِ ؟. ألم تُصبحْ في مواجهةِ خطرِ الانهيارِ والسقوطِ ، ثم تسقطُ بعد ذلك؟. سُنّةُ الله التي مضت على جميع المجتمعاتِ، ألم يُرينا ربُّنا أنها تمضي علينا نحن أيضاً ؟. أولئك الذين يرون أن هذا ليس السببَ الحقيقيَّ لسقوطنا، يقولون إن نجاتنا تكمنُ في أن نصبحَ أغنياءَ، يعني أنهم يريدوننا أن نكونَ دنيويين أكثر ، وينسون بعد ذلك أنهم هم الذين يُسقطوننا، والذين يُوصلوننا إلى الحالةِ التي لا نستطيعُ معها أن نقومَ بوظيفتِنا من كثرةِ الغنى والغرقِ في الرفاهية، يريدون أن يُعطوا المريضَ سُمّاً ظناً منهم أنه هو الدواءُ.

في العدد القادمِ سنتوقّفُ عند بقية الأسبابِ ، أستودعكم اللهَ.

Daha Fazla
Yazardan Daha Fazla: Furkan Nesli
Kategoriden Daha Fazla: 28 Şubat Devam Ediyor (Sayı 94)

Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Göz atmak ister misiniz?

انهيارُ الأُمَّةِ وأسبابُ الانهيار – الجزء الرابع | Sayı 95

الحمدُ للهِ الذي أرانا في كتابِه العزيزِ طريقَ الهدايةِ وعلّمنا القوانينَ التي نُؤسّسُ بها…