Anasayfa Arapça انهيارُ الأُمَّةِ وأسبابُ الانهيار – الجزء الرابع | Sayı 95

انهيارُ الأُمَّةِ وأسبابُ الانهيار – الجزء الرابع | Sayı 95

74 dakika ortalama okuma süresi
0
0

الحمدُ للهِ الذي أرانا في كتابِه العزيزِ طريقَ الهدايةِ وعلّمنا القوانينَ التي نُؤسّسُ بها دولةً في العالمِ، والصلاةُ والسلامُ على مَن عملَ جاهداً ليلاً نهاراً ليدُلّنا على طريقِ الهدايةِ وأسّسَ في وقتٍ قصيرٍ دولةً عالميةً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسلامٌ على كلِّ إخواني الذين يعملون بإخلاصٍ على إحياءِ الأمةِ من جديدٍ.

في العدد الماضي كنتُ قد بدأتُ بشرحِ الأسبابِ الحقيقيةِ لانهيارِ أمتنا، وقلتُ إن السببَ الأولَ لذلكَ هو تركُ أمتنا في القرونِ الأخيرةِ لوظيفتِها وللعملِ في سبيلِ اللهِ ولتقاعسِها عن القيام بالمهمةِ المُلقاةِ على عاتقها، وكذلك ابتعادُ أمتنا عن أُسس الحضارة الإسلاميةِ، وعن العيشِ بالشكلِ الذي يتناسبُ مع الدينِ. وقلتُ إن السببَ الثاني يكمُنُ في أن نسيان المهمةِ المُعطاة والغرق في نعيمِ الدنيا وكون أمتنا توجهت نحو المتعةِ والصفاءِ، كل هذا جعلَ من مقتضياتِ سنةِ اللهِ تعالى تراجعهم وأخذ الدنيا من أيديهم. وكنتُ قد بدأتُ بالحديثِ عن ذلك وسأتابعُ الحديث في السببِ الثاني.

وقد أخبرنا رسولُ اللهِ من قبل أن الأمةَ ستعيشُ أحوالاً صعبةً في قابلِ الأيامِ وأنها ستعاني مظالمَ كثيرة، وبيّن الأسبابَ الحقيقيةَ لذلك، يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: ( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا «. قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: « أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ «. قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: « حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )(1).

إخبارُ الحديثِ الشريفِ خبراً غيبياً هو معجزة، والخبرُ الذي أورده ُحدثَ كما هو حقيقة وكما أخبرَ الحديثُ النبوي فإن الكفارَ هجموا على أمتنا كما يهجمُ الأكلةُ على الطعام ومزّقونا، الحديثُ الشريفُ يقولُ إن السببَ الحقيقيَّ في عدم قدرة أمتنا على مواجهةِ هذا الهجومِ ليس قلّةَ العددِ أو شيئاً من هذا القبيلِ. عندما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن السببَ الأصلي دخولُ حبِّ الدنيا وكراهية الموت في قلوب المسلمين فإنه يكون قد أوضحَ أن السببَ معنوي وليس مادياً وعندما يكون السببُ معنوياً فإن الجميع لن يروه، وقد يُشخّصون الأمرَ تشخيصاً خاطئاً، لهذا أرادَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يبيّنَ السببَ الحقيقي للأمة قبل عدة قرون. مجموعةٌ من الأمورِ التي ليست أسباباً  يُرينا إياها شياطينُ الإنسِ والجنِ أنها هي الأسبابُ الحقيقية ويجعلوننا نركضُ خلف الأسبابِ الخاطئةِ فنصرفُ طاقتنا ومصادرنا المادية وأوقاتنا في الأماكن الخطأ، لقد أرادوا أن يمنعونا من الاستفادة منها.

كنتُ قد توقّفتُ عند التشخيصات الخاطئة والأسبابِ غيرِ الحقيقيةِ، وأعطيتُ بعضَ الأمثلةِ عليها، هذه التشخيصاتُ الخاطئة ونتائجها اعتقادنا أنها أسباب حقيقية قد ضيّع علينا الكثيرَ وفتحَ علينا طرقَ حلٍّ كثيرة كما فتح علينا طريق الخلافِ. الحديث الشريف يدفعُ باتجاه تقليل طرق الحل المتعددة وتقليل الخلافات. ما أراده الحديثُ الشريف هو توجيهنا نحو السبب الأساسي ووضع برامج التعليم بناءً على ذلك. عندما نُظهرُ السببَ الحقيقي وراء سقوطنا وما أوصلنا إلى الحال الذي لا نستطيع معه مواجهة عدونا، معرفةُ ذلك معناه في الأصلِ رؤيتنا لطريق العلاجِ الحقيقي. العلاجُ الحقيقي هو علاجٌ يزيلُ الجرثومةَ وعندما تُزالُ الجرثومةُ فإن الجسمَ يبدأ باستجماعِ نفسهِ شيئاً فشيئاً وفي حالتنا هذه عندما تكون الجرثومةُ التي جعلتْ أمتنا طريحةَ الفراشِ غير موجودة فإن المسلمين سيبدؤون باستعادة أنفسهم وسنحيا من جديدٍ. إحياءُ الأمةِ الذي بدأ يتحقق رويداً وريداً، لكن العلماء وغيرهم من أفراد الأمة الذين نزعوا من قلوبهم « حب الدنيا وكراهية الموت « ليسوا إلا حفنةً قليلةً من هذه الأمة. أليس كذلك؟.

القرآنُ الكريم ذكر في سورة المائدة ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ  )(2).

أولئك الذين لم يُؤدّوا الوظيفةَ المُلقاةِ على عاتقهم يتطلّبون فحسب لكن لا يتحمّلون دفعَ الثمنِ. اليهودُ الذين يحبون الدنيا كثيراً ويكرهون الموتَ عُوقبوا بالتيه في الصحراءِ أربعين سنة. يدورون في حيرةٍ دون توقّف. القرآن الكريم يُخبرنا في سورةِ البقرة أن أحدهم يتمنّى لو يعيش ألفَ سنةٍ قال تعالى: ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ )(3). حبُّ الدنيا عندهم بمقدارِ إرادة العيشِ ألف سنة وكراهية الموت عندهم بمقدارِ قولهم ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) لهذا عُوقبتْ هذه الأمةُ ولهذا أُخذت من هؤلاء الرايةُ المشرِّفة . القرآنُ الكريم أخبرنا بذلك وفي الوقت الذي أعلمنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرْنا أعلاه أن هذه الجرثومةَ ستُسقطنا نحن أيضاً إلّا أن هذه الأمة أيضاً دخل إلى قلبها ( حب الدنيا وكراهية الموت ) مع أن الأجلَ محدودٌ والرزقَ محدودٌ.

الإيمانُ بأن الأجلَ محدودٌ يُنقذُ المرءَ من الخوفِ من الموتِ، والإيمانُ بأن الرزقَ محدودٌ أيضاً يُنقذُ المرءَ من حب الدنيا والخوف من الرزق. ما دام الأجلُ محدوداً ولن يتغيّر فهذا الإنسان لا يفكّر في أجله وإنما في مهمتِه ويكسب شجاعةً. بالإضافة إلى أنه ما دام الرزقُ واحداً فإن التفكيرَ سينصبُّ على أداءِ الوظيفةِ ولن تكون هناك عبادةُ الدنيا وبهذا الإيمان سيقومُ بهمتهِ وسيكتسبُ التوكّلَ. كما أن الشجاعةَ لا تُقصّرُ العمرَ فكذلك الخوفُ لا يزيدُ في الأجلِ وكما أن الكرمَ لا يُنقصُ الرزقَ فكذلك البخلُ لا يزيدُ فيه.

كلُّ الكُتبِ السماوية وجميعُ الأنبياء عملوا على نزعِ ( حب الدنيا وكراهية الموت ) من القلوب. لأن تنفيذَ أي أمةٍ للوظيفةِ المعطاةِ لها مرتبطٌ بإنقاذِ قلبها من هذا الحبِّ وهذا الكُرهِ، وإذا حدثَ العكسَ فإن تلك الأمة ستنهارُ، وكلُّ الأممِ التي سقطت كان هذا هو السبب الأكثر أهمية في سقوطها.

لكي ينزعَ القرآنُ الكريم حُبَّ الدنيا من القلوبِ وصفَ النعيمَ في الحياةِ الدنيا بأنه تافهٌ زائلٌ وأن الحياةَ الدنيا إنما أُعطيتْ للإنسانِ كمكانٍ للعيشِ، وذكرَ القرآنُ الكريم مراتٍ عديدة أن أساسَ النعيمِ هو ما عند اللهِ وأن على الإنسانِ أن يتوجّه إلى ذلك. في القرآن الكريم في سورةِ آل عمران يقول الله تعالى: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )(4).

في سورةِ الأنعامِ يقول الله تعالى: ( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ )(5) الحياةُ الدنيا من وجهةِ نظرِ القرآنِ لعبٌ ولهوٌ، لأن:

1- الحياةُ الدنيا كاللعبِ واللهو قصيرةٌ وتمضي بسرعة وكما أن الإنسانَ يحزنُ عندَ انتهاءِ اللهو واللعب فإنه بنفسِ الشكلِ سيحزنُ عندَ انتهاءِ الحياةِ الدنيا.

2- اللهو واللعب في حينهِ حتى وإن كان يُبعدُ الإنسانَ عن همومهِ ويجعلُه سعيداً إلا أنه غالباً ما يمنعه من أداءِ وظائفه، أضف إلى ذلك أن اللهو واللعب قد يكون سبباً في الكثير من الأحداثِ السيئةِ وهذا ما يجعلُ الإنسانَ غيرَ سعيدٍ في نهايةِ الأمرِ، الحياةُ الدنيا كانت هكذا في الآية الكريمة. لقد أفادَ القرآنُ الكريمُ بأن الذين يغرقون في نعيم الدنيا سينسون مهامَهم وستقعُ الخلافاتُ فيما بينهم، ولن يكونوا سعيدين في النهاية.

3- كما أن الأطفالَ والغافلين هم من يغرقون عادةً في اللعبِ واللهوِ فكذلك الحياة الدنيا ونعيمها أكثر الغارقين فيها هم مَن يملكون روحَ الطفلِ والغافلون. كالأطفالِ يهتمون بما هو غير مهم، ولا يُعطون أهميةً للمهمِ.

4- كما أن ألعابَ الأطفالِ بغير فائدةٍ فكذلك الحياة الدنيا من يحصلُ على اللذة منها لن يحصلَ على أيِّ فائدةٍ تعودُ عليه في الدنيا أو في الآخرةِ.

5- كما أن اللهو واللعبَ تافهٌ وبلا قيمةٍ فكذلك مذاق الدنيا تافهٌ وبلا قيمة، لأن مذاقَ الدنيا بالكادِ يسدُ حاجات الإنسانِ الشهوانية وهذا النوع من المذاقات يشتركُ فيه الإنسانُ والحيوانُ بل إن الحيواناتِ أكثرُ قسوةٍ من الإنسان في هذا النوع من الرغباتِ مع أن الإنسانَ أعلى قدراً من الحيوان، ولهذا فإن اللذةَ المعنويةَ هي ما يناسبُ الإنسانَ وعليه أن يُوليها أهميةً أكبر.

القرآنُ الكريمُ يُفرّقُ بين الحياةِ الدنيا ومُتعها وبين الحياةِ، كما أسلفتُ أعلاه فإن الحياة الدنيا تافهةٌ زائلةٌ من جهة ومن جهةٍ أخرى فإن نهايةَ الحياةِ الدنيا سيكون إما الذهاب إلى الجنة أو إلى النار ومن هنا فإن إعطاء الحياة معاييرها يكتسبُ أهميةً. الحياةُ بمنظورِ القرآنِ ليستْ مقتصرةً على الحياةِ الدنيا فحسب، بل على العكسِ تأخذ الحياةَ الآخرة في اعتبارها أيضاً، حتى أن القرآنَ جعلَ الحياةَ الآخرةَ هي الأساسُ، ولهذا فعلى الإنسانِ ألا يعتقدَ أن حياته عبارةٌ عن حفرةٍ ضيّقةٍ في الحياة الدنيا.

على أمل أن أتابع الحديث في هذا الموضوع .. أستودعكم الله.

Daha Fazla
Yazardan Daha Fazla: Furkan Nesli
Kategoriden Daha Fazla: Arapça

Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Göz atmak ister misiniz?

Furkan Neslinin Değerli Okurlarına; “Biz Kocaman Bir Aileyiz”

Yayın hayatına başladığımız günden bugüne bizi yalnız bırakmayıp takip eden, eksikliğini b…